26‏/12‏/2008

المقدمة: ياما في ناس ... ١


كل إنسان، مع مرور الأيام، يقابل من الناس أنواع وأشكال لا تحصى. من الممكن أن تكون مقابلة الناس جزء من متطلبات الوظيفة ومن الممكن أن يكون التعرف وإنشاء الصداقات الجديدة نشاط لا صَفّي محبب، وفي كلا الحالتين يكون التعرف والتعامل مع الناس مكوّن أساسي للحياة الإجتماعية وعنصر رئيسي للتعايش مع باقي الناس في مجتمعاتنا.

علم الاجتماع (Sociology) هو علم دراسة الحياة الاجتماعية للبشرِ، سواء بشكل مجموعات، أو مجتمعات ، وقد عرّفَ أحياناً كدراسة التفاعلات الاجتماعية. تبحث العلوم الإجتماعية تركيبة ومكونات المجتمعات المعاصرة والكيفية التي تتأقلم بها مكونات هذه المجتمعات مع بعضها البعض. من المتعارف عليه أن أوغست كومت هو أبو السوشيولوجيا والذي لو عاش في القرن الواحد والعشرين، و في مجتمعنا هذا، لضرب بأبحاثه عرض الحائط عجباً مما سيرى!

تعيش في دويلاتنا الخليجية أصناف من البشر فعلا تستحق الدراسة والبحث المعمق. أصناف غريبة وعجيبة، تسير بيننا كأنها بشر طبيعيه، ولكن ما نراه منها ليس إلا قشرة لحاء بشرية تخفي كمية هائلة من العقد النفسية. دراسة هذه الظواهر قد تكون من أكثر المواضيع المحببة لقلبي، فهي أرض خصبة للمقارنات والمفارقات بين العلم الآكاديمي والواقع العملي. ولا أخفي عليكم ان لا ضرر أبدا من الإستمتاع بما في هذه الأمثله من طرافة وفكاهه، لأنها أصبحت المتنفس الوحيد لدي عند تأمل واقعنا الخليجي العربي المسلم المؤلم.

المقصود بالأصناف والظواهرالبشرية هنا هو أنواع العقليات وانماط التفكير التي تتربى وتترعرع وتشعشع تحت شمس خليجنا الساطعة. أخص بالذكر هنا الخليج العربي (أو الفارسي)، وهو وإن كان جزء لا يتجزء من الوطن العربي الكبير فهو يتفرد على مستوى العالم بضعف الإنتاجية وإنعدام المساهمات للبشرية في جميع نواحي العلوم الإنسانية.

لو نظرنا للوراء قليلا، لنبحث عن مصدر هذه الظواهر، لرأينا تاريخ حافل بالأخطاء السياسية والدينية والإقتصاديه والتعليمية والتي أدى تراكمها إلى تكوين هذه الأجيال الفريدة من نوعها. قد أضنى الباحثين في هذا التاريخ البحث لكثرة ما كتب عن الحقبات المأساوية المتتاليه على هذه المنطقة (السياسية منها كالناصرية والدينية كالثورة الشيعية) ولم تفدهم الكتب ولم تستفد الأجيال التي تلتها من الدروس.

من المهم هنا أن نبين الفرق ما بين العوارض والمسببات لهذه الظواهر العقلية والنواقص النفسية المتفشية في مجتمعاتنا، فبعض ما نظنه أسباب ماهو إلا عوارض لمشكلة أعمق وأكبر وأدهى. الإرهاب هو أحسن مثال على المغالطات المستمرة والمتعمدة من قبل إعلامنا العقيم، والذي دأب على خلط المسببات والأعراض، بتسمية عارض خطير لمرض سرطاني مستفحل، بنوبة رشح!!

سنناقش على مدى المقالات التالية، هذه العوارض المتأزمة في مجتمعاتنا، ومن ثم سنحللها معا بواسطة التشخيص التفريقي (Differential Diagnosis) بحيث نصل معاً إلى المسببات الباطنة لهذه العوارض المرضية المأساوية.

أعذروني على التشبيه الطبي فإني من المتابعين الدؤوبين للمسلسل التلفزيوني House !

سيكون المقال التالي عن أهم العوارض، في نظري، لإنحدار مستقبل أجيالنا، ألا وهو التعليم. هذا الأساس الذي تُبنى عليه صروح الحضارات وكيف تم إجحافه وإنتقاصه بطريقه منهجيه خلال القرن الماضي والحالي.

مع تحياتي وإلى لقاء قريب

0 التعليقات: